محمود حمدي زقزوق

15

موسوعة التصوف الاسلامي

مدخل عام حول مفهوم التصوف الإسلامي أ . د / محمود حمدى زقزوق ( 1 ) التصوف ظاهرة إنسانية عامة في كل الأديان والحضارات : الإنسان هو الكائن الوحيد الذي شرفه الخالق سبحانه وتعالى بأن خلقه بيديه وسواه وعدله وجعله في أحسن تقويم ، ثم أضاف إلى ذلك كله ما هو أهم وهو تلك النفحة الإلهية الروحية التي جعلت منه كائنا آخر مختلفا عن كل الكائنات الأخرى . ومن أجل ذلك كان جديرا بأن يطلب اللّه من الملائكة أن يسجدوا له . وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * ( 29 ) 1 . ومن هنا - من هذه النفحة الروحية الإلهية التي أضافها اللّه إلى نفسه - أصبح للإنسان حياة روحية تختلف عن حياته المادية وإن كانت مرتبطة بها . وهذه الحياة الروحية قدر مشترك لدى كل الناس منذ بدء الخليقة حتى قيام الساعة . وقد تمثلت هذه الحياة الروحية لدى الإنسان في صور مختلفة لدى كل الشعوب وفي كل العصور . وهكذا يمكن القول بأن التصوف - بمعنى الحياة الروحية للإنسان من حيث هو إنسان - يعد ظاهرة إنسانية عامة وفطرة بشرية موجودة في كل العصور وفي كل الأديان ، فنجدها لدى أتباع الديانات السماوية ، كما نجدها لدى أتباع الديانات الوضعية مثل البوذية ، أو لدى بعض الاتجاهات الفلسفية مثل الأفلاطونية الحديثة . كما يمكن العثور على مثل هذه الميول في الهند القديمة ولدى الصينيين القدماء . ومن أجل ذلك قيل إن التصوف يمثل نهرا روحيا عظيما يفيض عبر جميع الأديان 2 ، غير أن ما يميز هذه الظاهرة في الديانات السماوية هو الاتجاه المباشر نحو اللّه .